Another clean, modern theme by ThemeShark.com

أطروحة الوعی السياسی الإسلامی العميق عند الشهيد الصدر

وكالة الأنباء القرآنية العالمية(IQNA): تحدث الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر عن الوعی الإسلامی للحياة، ووصفه بالوعی السياسی العميق، حيث قال: "فليس الوعی السياسی للإسلام وعيا للناحية الشكلية من الحياة فحسب بل هو وعی سياسی عميق مرده إلى نظرة كلية كاملة نحو الحياة والكون والإجتماع والسياسة والإقتصاد والأخلاق فهذه النظرة الشاملة هی الوعی السياسی الكامل".

وينتج من هذا ان كل وعی سياسی اخر لا تنطبق عليه الاوصاف المذكورة انفا هو وعی سياسی سطحی مع التجاوز فی اطلاق كلمة وعی عليه، وبقيت هذه المساحة من فكر الامام الشهيد غير مطروقة، فلم تظهر بحوث فی تفسير وتحليل اطروحة الوعی السياسی العميق.

ويشكل البحث الحالی محاولة اولية ومتواضعة فی بلورة فكرة الوعی العميق من اجل تاسيس وعی سياسی مستند الى المعطيات الفكرية الاسلامية، ای وعی سياسی موصوف بالاسلامی بالمعنى العقائدی لكلمة اسلام التی تعنی تلك النظرة الكلية للكون والحياة والانسان والتی ينبثق عنها منهج ونظام وتؤدی بمجموعها الى تعبيد الانسان لله سبحانه وتعالى باعتبار ان العبودية لله هی الطريق الذی اختطه الله لمسيرة التكامل الانسانی.

وتنبثق ضرورة اسلمة الوعی السياسی من اعتقادنا بان الوعی هو فی حقيقته حالة انسانية فی العقل والشعور تستند الى معطيات معرفية من علم وعقيدة وفكرة وايديولوجيا ينبثق عنها موقف عملی وممارسة سياسية . وعليه فان الوعی السياسی بهذا المعنى انعكاس عن العقيدة التی يتبناها الانسان اكثر من ای شیء اخر . انه ليس انعكاسا للواقع كما يرى لينين بل هو نظرة معينة او فهم خاص للواقع.

ان الانسان السياسی، وكل انسان سياسی بهذه الدرجة او تلك، انما يكون رايه بالاحداث ويبلور موقفه منها بناء على موقف عقائدی مسبق مستند الى نظرية او عقيدة يؤمن بها بغض النظر عن طبيعة هذه النظرية ومدى شموليتها او عالميتها او مصداقيتها.

ان التحليلات السياسية المختلفة التی نلتقی بها فی الصحف والمجالات والاذاعات وبيانات الاحزاب والحكومات وتصريحات الزعماء والقادة والسياسيين ... هذه التحليلات السياسية ليست حيادية وانما هی بالضرورة مذهبية ای تنطلق من مذهب سياسی يستند بدوره الى عقيدة ما. وليست المحاولات البائسة لاظهار حيادية التحليلات السياسية سوى لاخفاء مذهبية هذه التحليلات.

ان الوعی السياسی فی نهاية المطاف نظرة خاصة الى الاحداث نظرة توفر فهما وادراكا وبصيرة خاصة بالاحداث الجارية وتطورات العالم بالاستناد الى ما يمتلكه الانسان السياسی من معطيات تحدد له زاوية النظر الى الواقع السياسی، ان المعرفة المجردة بالواقع السياسی لا تساوی الوعی السياسی بهذا الواقع وان الوعی السياسی هو الذی يحدد طريقة فهم وادراك المعرفة المجردة بالواقع.

ومن هنا تختلف انماط الوعی السياسی؛ فهناك الوعی السياسی الماركسی والليبرالی والقومی والوطنی والطائفی فضلا عن الوعی السياسی الاسلامی، ولا يوجد وعی سياسی مجرد من الصفة المضافة، وهذه الصفة المضافة هی التی تحدد الطبيعة المذهبية او الايديلوجية للوعی السياسی. وهذه هی احدى روابط السياسة بالايديولوجيا، فليست السياسة منفصلة عن الايديولوجيا وليست الايديولوجيا منفصلة عن السياسة كما نفهمها هی حركة الايديولوجيا فی الواقع من اجل تغييره واعادة تشكيله وتاسيسه وفقا لرؤية الايديولوجية الخاصة، وهكذا نفهم الوعی السياسی من الزاوية الاسلامية .

ان الوعی السياسی الاسلامی الذی نحاول المساهمة بتاسيسه وتشكيله انما هو بصيرة بالواقع السياسی بما يكتنفه من احداث وملابسات وظواهر وتطورات، وتستند هذه البصيرة الى الاسلام كعقيدة ونظام ومنهج وينبثق عنها موقف عملی وممارسة سياسية، ويتم ذلك من خلال الاحاطة بالمرتكزات الفكرية للوعی السياسی فی الاسلام.

المرتكزات الفكرية للوعی العميق

والمرتكزات الفكرية التی يستند عليها الوعی السياسی فی الاسلام كثيرة ومتعددة بتعدد مجالات الحياة الانسانية التی يرتبط بها الوعی السياسی ويتعلق بها الشان السياسی، نحن لا نريد ان نستبق الامور بالحديث عن هذه المرتكزات بصورة مفصلة فی هذه المرحلة من البحث، ولكن نحاول الان ان نعطی القارئ فكرة عامة عن هذه المرتكزات على سبيل التعداد والتمهيد.

ان الوعی السياسی الاسلامی الذی نحاول المساهمة بتاسيسه وتشكيله انما هو بصيرة بالواقع السياسی بما يكتنفه من احداث وملابسات وظواهر وتطورات، وتستند هذه البصيرة الى الاسلام كعقيدة ونظام ومنهج وينبثق عنها موقف عملی وممارسة سياسية، ويتم ذلك من خلال الاحاطة بالمرتكزات الفكرية للوعی السياسی فی الاسلام

وهذه المرتكزات هی؛ المرتكز الاول: الاساس العقائدی للوعی السياسی لاننا قلنا قبل قليل ان السياسة فی خدمة العقيدة وكاسلاميين نقول ان سياستنا عقائدية الاهداف والغايات والوسائل والاساليب والطبيعة وبالتالی فلابد ان يستوعب السياسی المسلم سواء كان عاملا بالساحة السياسية ام محللا لاحداثها الاساس العقائدی للعمل والوعی السياسی، ويتالف الاساس العقائدی من منظومة اصول الدين الخمسة المعروفة واعنی بها التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد.

المرتكز الفكری الثانی هو: نظرية التاريخ باعتبار ان السياسة فی مقطع زمنی ومكانی معين هی جزء من حركة اشمل فی الزمان والمكان اسمها الحركة التاريخية، ولابد من وعی الحركة السياسية فی ذلك المقطع المعين ضمن سياقها التاريخی العام حيث نفهم الاحداث السياسية من خلال ارتباطها بالماضی باعتبارها نتيجة له ومن خلال ارتباطها بالمستقبل باعتبارها مقدمة له.

المرتكز الفكری الثالث نظرية المجتمع باعتبار ان السياسة هی حركة المجتمع والوعی السياسی عبارة عن فهم الحركة السياسة للمجتمع، واذن ففهم المجتمع واستيعاب قوانين حركته من زاوية اسلامية شرط فی تحقيق الوعی الاسلامی لهذه الحركة.

المرتكز الفكری الرابع نظرية الدولة باعتبار ان السياسة فی وجهها الاوضح والاصرح هی حركة المجتمع فی كل ما يتعلق بالدولة نشوءا وسقوطا سيطرة وهيمنة وما يتفرع عن ذلك من تفاصيل كثيرة، ان نظرية الدولة تزود الانسان المسلم بالبديل الاسلامی للمؤسسات السياسية غير الاسلامية القائمة ومعرفة البديل من متممات الوعی الاسلامی الاساسية حيث لا يكفی للانسان المسلم الموصوف بانه ذو ذعی سياسی اسلامی ان يعلن موقف الرفض من الواقع القائم لانه غير اسلامی دون ان يمتلك صورة واضحة للبديل الاسلامی الذی يتبناه بل ان البديل الاسلامی سيكون معيارا وزاوية فی النظر لتقييم الواقع القائم والحكم عليه وهذا هو قصدنا حينما قلنا ان الوعی هو نظرة خاصة الى الواقع.

المرتكز الفكری الخامس نظرية العمل والثورة والتغيير فی الاسلام . وهذا من المرتكزات المهمة جدا لانه يحدد الاطار النظرية والشرعی للخط العملی السياسی، فالوعی السياسی نظرة وعمل والعمل بحاجة الة نظرية عمل اسلامية تحقق صفة الاسلامية فيه وتصونه من الانحراف والتحول الى صيغة الاحتراف السياسی غير المحكومة بالضوابط العقائدية والشرعية ويدخل فی هذا المرتكز اسس التحليل السياسی الاسلامی باعتبار ان التحليل السياسی هو شكل من اشكال العمل السياسی.

هذه هی المرتكزات الفكرية الاساسية وربما اضاف اليها البعض النظرية الاقتصادية بابعادها السياسية بهدف تحديد العلاقة بين الفعل والوعی السياسی من جهة والواقع الاقتصادی المؤثر بدوره على حركة المجتمع وسير عملية التغيير من جهة ثانية، كما قد يضيف البعض الى هذه المرتكزات النظرة الاسلامية الى الخارطة السياسية للعالم وبذا يصبح لينا سبعة مرتكزات فكرية للوعی السياسی الاسلامی.

ويكاد يكون الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر وضع الخطوط العريضة لهذه المرتكزات بصورة متناثرة فی بحوثه الرائدة الامر الذی يحتم على الباحثين العودة الى هذه البحوث ولملمتها من جديد لتجميع نطريته فی اطروحة الوعی السياسی العميق.

ما هو الوعی؟

الوعی، والوعی الاسلامی، والوعی السياسی الاسلامی، من المفردات التی يشيع استخدامها فی الاوساط الاسلامية، ومن كثرة تداول هذه المفردات او المصطلحات لم يعد احد يشعر بالحاجة الى التساؤل عن المعنى او المعانی التی تختزنها بحسبان ان المعانی التی يمكن ان تشير اليها هذه المصطلحات اصبحت بمستوى البديهيات المتداولة والمتعارفة بين الناس.

ونحن لا نريد ان نذهب الى ابعد من هذا فثمة معنى اجمالی مغروز فی اذهان الناس وعقولهم لكلمة "وعی" وبالتالی الوعی السياسی والوعی الاسلامی والوعی السياسی الاسلامی، وهم يتعاملون مع هذه الكلمات من خلال معانيها مرة اخرى نحن لا نريد ان نذهب الى ابعد مما تعارف عليه الناس، فنحن نقول ايضا على هذه المعانی الشائعة والمقبولة اجمالا فی حديثنا عن الاسس الفكرية للوعی السياسی الاسلامی.

ولكننا نشعر فی نفس الوقت انه لا ضرر من الحديث العام حول معنى الوعی والمفاهيم التی يمكن ان تختزنها هذه الكلمة خاصة اذا اتيح لنا القيام بجولة قرانية لملاحظة الاستخدام القرانی لهذه الكلمة وما هو قريب منها من مفردات وكلمات اخرى، واذن فلنطرح السؤال التمهيدی: ما هو الوعی؟

يقول الشهيد محمد باقر الصدر فی احدى محاضراته القيمة ان الوعی عبارة عن "الفهم الفعال الايجابی المحقق للاسلام فی نفس الامة والذی يستاصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالا كاملا ويحول تمام مراقف الانسان من مرافق الفكر الجاهلی الى مرافق الفكر الاسلامی والذوق الاسلامی.

ويكاد يكون الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر وضع الخطوط العريضة لهذه المرتكزات بصورة متناثرة فی بحوثه الرائدة الامر الذی يحتم على الباحثين العودة الى هذه البحوث ولملمتها من جديد لتجميع نطريته فی اطروحة الوعی السياسی العميق.
ويختلف الوعی عن الطاقة الحرارية، فالطاقة الحرارية عبارة عن توهج عاطفی حار بشعور قد يبلغ فی مظاهره نفس ما يبلغه الوعی فی ظواهره بحيث قد يمتزج الامر فلا يمكن للوهلة الاولى بين الامة التی تحمل مثل هذه الطاقة الحرارية وبين امة تتمتع بذلك الوعی الا بعد التبصر والتجرية، والفرق كبير بين الامة الواعية والامة التی تحمل الطاقة الحرارية، فان الطاقة الحرارية بطبيعتها تتناقض بالتدريج كلما ابتعدت الامة عن مركز اشعاع الطاقة الحرارية.

وهذا بخلاف الوعی فان من طبيعة الوعی الثبات والاستقرار بل والتعمق بمرور الزمن لانه يمتد له بالتدريج افاقا جديدة وفقا لخطة العمل وخط الاحداث، فالامة الواعية امة تسير فی طريق التعمق فی وعيها، والامة التی تحمل الطاقة الحرارية فقط امة تتناقص طاقتها باستمرار لو تركت لوحدها مع هذه الطاقة وانقطعت عن مركز اشعاعها.

هذا من جهة ومن جهة ثانية يمتاز الوعی بانه لا تهزه الانفعالات والاحداث والصدمات السياسية بل يصمد امامها ويمتعها ويستوعبها ثم يرد عليها بالموقف والعمل المناسبين، اما الطاقة الحرارية فتهزها الانفعالات. فمن طبيعة الانفعال انه يفجر المشاعر الداخلية المستترة ويبرز ماوراء الستار الامر الذی قد ينتج عنه ردود فعل معاكسة واعمال متعارضة بل قد يؤدی الى الانحراف او الارتداد او ضعف التمسك بالمواقف الاسلامية الشرعية.

واذا كانت الطاقة الحرارية ضرورية لدفع الامة باتجاه العمل وتصعيد زخم اندفاعها فان الوعی اكثر من ضروری لابقاء الامة على خط الاسلام، ولهذا فان العمل الاسلامی الناضج لا يكتفی بخلق الطاقة الحرارية عند الناس وانما يحرص على جعل هذه الطاقة الحرارية تنبثق من وعی عميق.

الوعی فی المصطلح القرآنی

وبمراحعة القران الكريم سوف نلاحظ ان كلمة وعی او احد مشتقاتها وردت عدة مرات وذلك كما فی قوله تعالى: "لنجعلها لكم تذكرة وتعيها اذن واعية." (الحاقة 12)/ "وجمع فاوعى." (المعارج 18)/ "والله اعلم بما يوعون." (الانشقاق 23). وفی الحديث الشريف نجد النصوص التالية: عن الامام علی (ع) : "ان هذه القلوب اوعية فخيرها اوعاها"./وقال:" .. الا ان اسمع سماع ماوعى التذكر وقبله."

وبمراجعة كتب التفسير سرف نجد ان كلمة يوعون تعنی: "جمعوا فی فی صدورهم واضمروا فی قلوبهم."اما قوله تعالى : "فاوعى" فيعنی : "جمع المال فامسكه فی دعائه." اما فيما يتعلق بالاذن الواعية فقد قال المفسرون: "الوعی جعل الشئ فی الوعاء" والمراد بوعی الاذن لها: "تقريرها فی النفس وحفظها لترتيب عليها فائدتها وهی التذكر والاتعاظ." ويشرح اللغويون مادة وعی بالنحو التالی: وعى الحديث والخبر، ای: حفظه وتدبره، اوعى الشئ ای: حفظه ووضعه فی صوان له، والوعاء هو : الظرف يوعى فيه الشئ ويصان ويحفظ.

ومن خلال هذا الاستعراض السريع سوف نلاحظ ان كلمة وعی تنصرف الى ثلاثة اشياء هی: اولا، مادة الوعی: ای الشئ المراد حفظه وصيانته وفهمه ای: وعيه، وهو فی موضوعنا : الافكار والمفاهيم الاسلامية المطلوب فهمها واستيعابها والمنتجة بعد ذلك للوعی السياسی المطلوب. وبدون هذه الافكار والمفاهيم المحفوظة والمستوعبة لا يتحقق فقط من خلال الاستغال بالعمل السياسی او من خلال متابعة الاخبار ومطالعة الصحف. فهذا اطلاع جيد ومطلوب وهو شئ . اما الوعی الاسلامی فهو شئ اخر . انه الافكار الاسلامية المستوعبة والمحفوظة والتی من خلالها التحرك السياسی والتعامل مع الاحداث والقضايا المتحركة فی الساحة السياسية.

ثانيا، ظرف الوعی: وهو المكان الذی يحفظ فيه الشئ المراد حفظه وصيانته وفهمه، وبديهی ان ظرف الوعی السياسی الاسلامی هو الانسان نفسه او عقل الانسان فنحن نريد ايجاد الانسان المسلم الواعی ای الانسان الذی تحفظ فيه مادة الوعی وبعبارة ادق الانسان المسلم الذی يحفظ مادة الوعی ويستوعبها ويصونها ای الانسان المسلم الذی يستوعب المفاهيم الاسلامية.

ثالثا، اثر الوعی: وهو النتائج المراد تحقيقه او ظهوره بعد فهم الشئ وحفظ، واثر الوعی السياسی الاسلامی يظهر فی الممارسة السياسية العملية وفی المواقف السياسية وفی التحليلات السياسية وفی العلاقات السياسية .. للانسان المسلم. فلا قيمة للوعی السياسی مالم يظهر اثره فی السلوك السياسی للانسان المسلم . وانما يتميز السلوك السياسی للانسان المسلم عن غيره من السياسيين بانطلاقة من الوعی السياسی الاسلامی اما ذلك السلوك السياسی غير المرتبط عضويا بالوعی السياسی الاسلامی فهو سلوك منقطع الجذور لا يمكن ان نطلق الصفة الاسلامية عليه، بل ان القيمة الحقيقية للوعی السياسی الاسلامی تكمن فی اسلمة السلوك السياسی للانسان المسلم.

يقول الشهيد محمد باقر الصدر فی احدى محاضراته القيمة ان الوعی عبارة عن "الفهم الفعال الايجابی المحقق للاسلام فی نفس الامة والذی يستاصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالا كاملا ويحول تمام مراقف الانسان من مرافق الفكر الجاهلی الى مرافق الفكر الاسلامی والذوق الاسلامی"

واذا شئنا ان نضرب مثلا لما نقول لقلنا: ان قيمة دراسة الاحكام الفقهية للصلاة انما تكمن فی انتاج صلاة مقبولة كاملة خالصة من العيب والنقص وكذلك الوعی السياسی الاسلامی قيمته ان ينتج سلوكا سياسيا مقبولا، فی هذا يقول الامام علی: "فانما البصير من سمع فتفكر ونظر فابصر وانتفع بالعبر ثم سلك جددا واضحا يتجنب فيه الصرعة فی المهاوی."

الوعی والبصيرة والبينة

يستخدم القران الكريم مفردات ومصطلحات اخرى ذات علاقة بالوعی ومن هذه المفردات البصيرة والبينة.فأما ما يتعلق بالبصيرة، فقد قال تعالى: "هذه سبيلی ادعوالى الله على بصيرة." (يوسف 108) / "افلم يسيروا فی الارض نبكون لهم قلوب يعقلون بها او اذان يسمعونها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التی فی الصدور." (الحج 46) / "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اذان يسمعون بها ولهم اعين لا يبصرون بها اولئك كالانعام بل هم اضل سبيلا." (الاعراف 101)

وقال الامام علی (ع): "فاقد البصيرة سئ النظر." / "فانما البصير من سمع فتفكر ونظر فابصر وانتفع بالعبر ثم سلك جددا واضحا يتجنب فيه الصرعة فی المهاوی." وقال الامام الحسن: "عليكم بالفكر فانه حياة قلب البصير ومفاتيح ابواب الحكمة." وقال الامام الكاظم: "تفقهوا فی الدين فان مفتاح البصيرة ." ويطلق البصر على العلم القوی المضاهی لادراك الرؤية فتقول بصر بالشئ ای علمه عن بيان فهو بصير به كما فی قوله تعالى: "بصرت بما لم يبصروا." (طه 96) وابصر : رأى، كما قوله تعالى : "فمن ابصر فلنفسه ومن عمی فعليها." (الانعام 104)، وهذا مجاز عن ادراك الحق والغفلة عنه.

اما البصيرة فهی: نور القلب الذی به يستبصر كما ان البصر نور العين الذی به تبصر وذلك كما فی قوله تعالى: "قل هذه سبيلی ادعو الى الله على بصيرة." (يوسف 108)، ويقال بصره بالشئ تبصرا وتبصرة ای علمه اياه وعرفه واوضحه له حتى يبصره، والتبصرة تعنی الوضوح. قال تعالى : "فاذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون." (الاعراف 201) ای: مبصرون مواقع الخطا ومناهج الرشد فيحذرون عما يخالف امر الله. اما المستبصر فهو العاقل الذی يمكنه التمييز بين الحق والباطل، كما فی قوله تعالى: "فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين." (العنكبوت 38.) وهكذا تلتقی كلمتا الوعی والبصيرة فی عدة مواقع. فهما تعبران عن حالة فهم دقيق للاشياء وتمييز بينها على اساس علم واضح بها.

اما المفردة الثانية فهی البينة. قال تعالى : "ياايها الذين امنوا اذا ضربتم فی سبيل الله فتبينوا." (النساء 94 والحجرات 6)، والبينة تعنی الوضوح.. يقال بان الشئ ای اتضح، وتستعمل البينة فيما يبين الشیْء ويوضحه حسيا سواء كان الشئ ام عقليا كما فی قوله تعالى : "لولا ياتون بسلطان بين." (الكهف 15)،ويقال بين الشئ ای وضح وظهر وبين الشئ ای اوضحته واظهرته.

ويقال تبين الشئ ای اتضح وظهر وتبينته انا ای تاملته فوضح وظهر لی. كما فی قوله تعالى: "ياايها الذين امنوا اذا ضربتم فی سبيل الله فتبينوا." (النساء 94) ای تاملوا الامر وتدبروه غير متعجلين ليظهر لكم بينا واضحا.. اما البيان فهو الايضاح والكشف. ويسمى الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود واظهاره،ونلاحظ ان كلمة "البينة" تلتقی مع كلمة "الوعی" فی كونهما تعبران عن حالة الوضوح فی فهم الاشياء استنادا الى العلم بها.

وقد نلتقی بكلمات اخرى عير البصيرة والبينة مثل الادراك والفقه. فالادراك على مستوى البصر يعنی الرؤية وهو يستبطن معنى النفاذ الى عمق الاشياء وبلوغ نهايته، وهذا هو جوهر الوعی. فالوعی ينطوی على رؤية حقائق الاشياء وادراك كنهها واسرارها. والفقه ماخوذ من الشق والفتح وهو يعنی الفهم الخاص بالتوصل الى علم غائب عن علم شاهد فيكون اخص من العلم. وهو مرتبط بالبصيرة التی هی من اشكال الوعی وذلك كما فی الحديث المروی عن الامام الكاظم حيث يقول: "تفقهوا فی دين الله فان الفقه مفتاح البصيرة."ومن الاستعراض السابق كنا نريد التوصل الى القاء الضوء على مسالة فی غاية الاهمية وهی الترابط العضوی والموضوعی بين الوعی والثقافة او العلم والعمل. فهذه المفردات الثلاث تشكل مثلثا متصل الاضلاع لا يمكن الفصل بينها.

فالعمل السياسی هو العمل المرتبط بصالح الناس او بمصلحة فئة منهم والذی يهدف الى تغيير اوضاعهم الحياتية الشاملة او تغيير بعضها او اصلاحها او اصلاح بعضها او تثبيتها والمحافظة عليها، وغنی عن القول ان رؤية مصالح الناس تابعة من نظرية سياسية معينة يؤمن بها السياسی تحدد له من زاويته معنى المصلحة التی يراها ويؤمن بها ولهذا يختلف السياسيون فی تحديد المصلحة طبقا لزاوية النظر التی ينطلقون منها.

ولهذا يكون العمل السياسی مرتبطا بثقافة سياسية معينة بل ومنطلقا منها. والثقافة السياسية هی المعرفة السياسية المؤثرة فی السلوك السياسی والتی تكون منطلقة ومتاثرة بوجهة نظر سياسية معينة، اما الوعی السياسی فهو ادراك حقائق الاشياء والنظر اليها نظرة خاصة . وخصوصية النظرة تنبثق من الثقافة السياسية التی يؤمن بها الانسان، وهكذا نجد ان الثقافة السياسية تؤثر فی الوعی والعمل . كما ان الوعی يؤثر بالعمل السياسی.

ان العمل السياسی والثقافة السياسية امران متلازمان فی العمل السياسی الذی يستهدف خدمة المجتمع لتغييره او اصلاحه كليا او جزئيا، والثقافة السياسية غير المرتبطة بعمل سياسی هی ترف فكری . والعمل السياسی بدون ثقافة سياسية تخبط وارتجال؛ ضرره اكثر من نفعه والسياسی المثقف خط عمله واضح واهدافه القريبة واضحة واهدافه البعيدة محددة والثقافة السياسية تنمو وتتسع وتتعمق بتجارب العاملين ومن خلال المعاناة والسير فی خط العمل السياسی ای العيش السياسی بمعناه الواسع والوعی السياسی السليم هو ذلك العمل المنبثق من وعی سياسی سليم. ويلخص الامام الصادق هذه العلاقة الثلاثية بين الوعی والعلم والعمل بقوله: "العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير الا بعدا."

Custom

Praesent fringilla, arcu vel ornare ultricies, dolor neque pharetra nulla, sit amet suscipit nunc quam vitae libero. Ut convallis lobortis odio quis imperdiet. Quisque dolor lacus, porttitor at lobortis sed, porttitor quis purus. Proin commodo, quam ac interdum placerat, mi sem placerat velit, ut pulvinar arcu elit eu augue. Vestibulum sodales pharetra ante, non rutrum arcu posuere at.

Custom

Praesent fringilla, arcu vel ornare ultricies, dolor neque pharetra nulla, sit amet suscipit nunc quam vitae libero. Ut convallis lobortis odio quis imperdiet. Quisque dolor lacus, porttitor at lobortis sed, porttitor quis purus. Proin commodo, quam ac interdum placerat, mi sem placerat velit, ut pulvinar arcu elit eu augue. Vestibulum sodales pharetra ante, non rutrum arcu posuere at.

Custom

Praesent fringilla, arcu vel ornare ultricies, dolor neque pharetra nulla, sit amet suscipit nunc quam vitae libero. Ut convallis lobortis odio quis imperdiet. Quisque dolor lacus, porttitor at lobortis sed, porttitor quis purus. Proin commodo, quam ac interdum placerat, mi sem placerat velit, ut pulvinar arcu elit eu augue. Vestibulum sodales pharetra ante, non rutrum arcu posuere at.

Design by ThemeShark.com - Drupal Themes with bite!